حينما يُذكر “الهرم”، تتجه الأنظار تلقائياً صوب الجيزة في مصر، بيد أن الحقيقة الجغرافية والتاريخية تخبرنا برواية مغايرة؛ فالسودان يحتضن في رماله نحو 220 هرماً، أي ضعف ما تملكه مصر من أهرامات. ورغم هذا التفوق العددي، ثمة مفارقة صارخة، فبينما تستقبل أهرامات الجيزة الثلاثة ملايين الزوار سنوياً، تكاد أهرامات السودان المئتان تخلو من البشر إلا من بضع عشرات من المحليين أو قلة من الأجانب الذين أدركوا قيمة هذا الكنز المكنون في “مروى”.

سحر السكينة في حضرة “الفراعنة السود”

في تلك البقعة النائية، لا شيء يعكر صفو الهدوء؛ لا باعة تذكارات يلحون على الزائر، ولا خيالة يعرضون خدماتهم، فالزوار غائبون، وهذا الغياب هو سر سحر المكان. هناك، تسود سكينة لا يقطعها سوى صوت الرياح التي تنثر الرمال على الآثار مهددة إياها بالتآكل، ولا يزاحمك في تأمل المشهد سوى سحلية استوطنت حجراً عتيقاً تستمد منه دفء شمس تعاقبت عليه لآلاف السنين.

ولبلوغ هذه التحفة المعمارية، يتطلب الأمر رحلة تمتد لأربع ساعات بسيارة دفع رباعي تقطع مسافة 200 كيلومتر بين الخرطوم ومروى، وحين تترك السيارة الطريق المعبد، تبدأ العجلات بالارتجاف على الحصى في درب ترابي يقود لسفح جبل البركل. وقبل الوصول للأهرامات، تفرض منطقة “نقعة” الأثرية حضورها بمعبد “أبادماك”، الإله الأسد، حيث ترتفع الجدران لخمسة أمتار مزينة بنقوش للملك “نتك أماني” والملكة “أماني تيري”.

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الفن المصري والنوبي؛ فبينما جنح المصري القديم للمثالية، اختار الفنان السوداني الواقعية بجمالياتها وعيوبها، فتظهر الملكة بأظافر طويلة وجسد ضخم ممتلئ، بعيداً عن رشاقة نظيراتها في نقوش الفراعنة. كانت مروى العاصمة الأخيرة لمملكة كوش، التي بسط ملوكها، المعروفون بـ”الفراعنة السود”، نفوذهم على وادي النيل واحتلوا مصر في القرن الثامن قبل الميلاد لقرن من الزمان، قبل أن ينحسر ملكهم مجدداً إلى ما يعرف اليوم بالسودان.

عمارة متميزة وتاريخ من الانتهاكات

تتميز أهرامات مروى بأنها أكثر انحداراً، حيث تصل زاويتها إلى 70 درجة، وهي مبنية من الحجر الرملي وتصغر مثيلاتها المصرية حجماً، إذ يبلغ طول أكبرها 30 متراً. إلا أن الملاحظ للزائر هو أن الغالبية العظمى من هذه الأهرامات “مقطوعة الرأس”، وكأن آلة ضخمة دمرت قممها.

يعود هذا التشويه إلى حقبة “صائدي الكنوز” في القرن التاسع عشر، وتحديداً المغامر الإيطالي جيوزيبي فيرليني الذي زار المنطقة عام 1834. وبدوافع الجشع والبحث عن الذهب والمجوهرات، عمد فيرليني إلى تدمير قمم الأهرامات، لكنه لم يظفر بشيء سوى لعنات التاريخ. وتتشابه هذه الممارسات مع ما شهدته مصر في تلك الحقبة، حيث كانت الحفريات تعتمد أساليب غير أخلاقية مشوبة بنزعة استعمارية، انتهت بتبعثر المومياوات والتحف المصرية النادرة في متاحف العالم الغربي.

حقبة جديدة في الجيزة: العلم بديلاً للمعاول

على النقيض من ممارسات القرنين التاسع عشر والعشرين المدمرة، يشهد القرن الحادي والعشرون تحولاً جذرياً في التعاطي مع الآثار، حيث بات الباحثون المصريون يقودون المشهد العلمي مستخدمين تقنيات متطورة تحترم قدسية الأثر وسلامته. وفي هذا السياق، أحرز مشروع “ScanPyramids” – بالتعاون بين جامعة القاهرة والجامعة التقنية في ميونيخ – تقدماً مذهلاً في فهم أسرار هرم “منقرع”، ثالث أكبر أهرامات الجيزة.

فقد نجح الفريق البحثي، وعبر استخدام تقنيات غير غازية (Non-invasive) مثل الرادار الأرضي، والموجات فوق الصوتية، وتصوير المقاومة الكهربائية (ERT)، في اكتشاف تجويفين مملوءين بالهواء خلف الواجهة الشرقية للهرم، دون الحاجة لإحداث أي ثقب أو ضرر في الهيكل البنائي.

أسرار ما وراء الجدران

وفقاً للدراسة المنشورة في دورية “NDT & E International”، يقع التجويفان على بعد أمتار قليلة (1.4 و1.13 متر) خلف الواجهة. ورغم صغر حجمهما نسبياً – حيث يبلغ ارتفاع الأول متراً واحداً وعرضه متراً ونصف، بينما يُعد الثاني أصغر حجماً – إلا أن هذا الاكتشاف يحمل دلالات علمية هامة.

صرح الباحثون بأن المنهجية الجديدة تتيح استخلاص استنتاجات دقيقة حول التصميم الداخلي للهرم، مما يعزز فرضية وجود “مدخل آخر” محتمل للهرم. وفي حين لا يزال ما بداخل هذه التجاويف مجهولاً، فإن هذا المزج بين التكنولوجيا الحديثة والآثار ينقلنا خطوة كبيرة نحو فهم أسرار الحضارة القديمة، سواء تلك التي تقف شامخة تحت أضواء القاهرة، أو تلك التي تتلحف بصمت الصحراء في السودان، بعيداً عن معاول الهدم التي طالتها في الماضي.