تعيش الساحة الفنية العالمية حالة من التجدد اللافت في إنتاجات الجريمة والغموض، مسلطة الضوء على شخصيات نسائية مركبة تغوص في أعماق تحقيقات معقدة. هذا التوجه الدرامي المثير يتجسد بوضوح في أحدث الأفلام السينمائية السعودية التي وصلت إلى منصات التتويج العالمية، ويتقاطع في الوقت ذاته مع أضخم الأعمال التلفزيونية الأميركية المنتظرة التي تستقطب أسماء لامعة لتعزيز حبكتها البوليسية.
تحديات “المجهولة” في أروقة التحقيق
خطفت الفنانة السعودية ميلا الزهراني أنظار النقاد والجمهور في العرض الأول لفيلمها الروائي الجديد “المجهولة” خلال مهرجان تورنتو السينمائي الدولي الشهر الماضي. العمل، الذي يحمل توقيع المخرجة هيفاء المنصور في أولى تجاربها لإخراج الأفلام الطويلة ضمن فئة الجريمة والتشويق المعاصر، ينطلق من حادثة العثور على جثة مراهقة مجهولة الهوية في منطقة صحراوية نائية. هنا تلعب ميلا دور “نوال”، وهي موظفة استقبال في قسم شرطة تتلقى البلاغ، ليجرها فضولها وشغفها بقصص الجرائم للانخراط مع فريق التحقيق لفك طلاسم القضية والبحث عن القاتل.
لم تكن هذه التجربة عابرة بالنسبة للزهراني. لقد منحتها نظرة أعمق لمفهوم التمثيل، ووقفة واثقة على المسرح العالمي. أمضت ميلا وقتاً طويلاً لتفكيك دوافع شخصية نوال وبناء عالمها الداخلي لتأتي تصرفاتها مقنعة وحقيقية، مفضلة أن تعيش تفاصيل الشخصية حتى بعيداً عن الكاميرات، إيماناً منها بأن هذا النوع من الأدوار يُعاش ولا يُمثل فحسب. ربما كان التحدي الأبرز أمامها هو الموازنة الدقيقة بين الحفاظ على هالة الغموض التي تحيط بالشخصية وإظهار مشاعرها الإنسانية الصادقة تدريجياً، فالمبالغة كانت كفيلة بحرق أسرار القصة مبكراً.
حراك سينمائي وتمكين للمرأة
وصول الفيلم إلى مهرجان بحجم تورنتو يتجاوز كونه إنجازاً شخصياً لطاقم العمل. إنه انعكاس صريح لتطور صناعة السينما السعودية وقدرتها على حجز مكان بارز في المشهد العالمي. يمثل هذا العمل التعاون الثاني بين ميلا والمخرجة هيفاء المنصور بعد نجاحهما في “المرشحة المثالية”. ويبدو أن المنصور تتجه بذكاء نحو الأعمال الجماهيرية المشوقة، محتفظة برسالتها الأساسية في تمكين المرأة السعودية واستكشاف واقعها وسط التحولات الثقافية العميقة. تجربة العمل مع المنصور تفتح آفاقاً جديدة للممثلين، لكونها تهتم بأدق التفاصيل التوجيهية، مما ساعد ميلا على تقمص دورها بعمق استثنائي، إلى جانب طاقم مميز ضم شافي الحارثي وعزيز الغرباوي.
دماء جديدة في دراما “ذا لوداون” الأميركية
وعلى الجانب الآخر من العالم، وبنفس الروح الاستقصائية التي قادت “نوال” في الصحراء، تستعد شاشات التلفزيون الأميركية لاستقبال جرعة مكثفة من الغموض وكشف الفساد. ففي أولى الصفقات الفنية الكبرى للموسم الثاني من مسلسل “ذا لوداون” (The Lowdown) الذي تنتجه شبكة إف إكس (FX)، انضمت الممثلة بيتي جيلبين للعب دور شخصية تدعى “جينجر”، لتقف وجهاً لوجه أمام بطل العمل إيثان هوك.
المسلسل الذي ابتكره ستيرلين هارجو حقق نجاحاً مدوياً في موسمه الأول، وصُنف ضمن أفضل عشرة برامج تلفزيونية لعام 2025 وفقاً لمعهد الفيلم الأميركي (AFI). تدور أحداثه حول الصحفي المستقل لي رايبون، الذي يصف نفسه بأنه “مؤرخ الحقيقة” في مدينة تلسا. هوسه الدائم بكشف الفساد يوقعه في متاعب لا تنتهي، خصوصاً بعد نشره تحقيقاً استقصائياً عميقاً حول عائلة “واشبيرغ” ذات النفوذ الواسع. هذه الخطوة أعقبها انتحار مريب للمدعو ديل واشبيرغ، تاركاً خلفه أدلة تدفع لي للغوص أكثر في ملابسات وفاته الغامضة.
مسيرة حافلة ومشاريع مستقبلية لجيلبين
العمل الذي حظي بتجديد لموسم ثانٍ في يناير الماضي ويبدأ تصويره هذا الربيع في مدينة تلسا بولاية أوكلاهوما، سيشكل إضافة قوية لمسيرة جيلبين الحافلة. الممثلة التي رُشحت لجائزة الإيمي ثلاث مرات عن دورها اللافت في مسلسل “غلاو” (GLOW)، تمتلك رصيداً فنياً يزخر بالأدوار المعقدة في أعمال مثل المسلسل المحدود “أميريكان برايمفال” (American Primeval)، و”ثري ومن” (Three Women)، إلى جانب دورها القيادي في “مسز ديفيس” (Mrs. Davis) الذي قادها للترشح لجائزة الروح المستقلة، ومشاركتها في “غاسليت” (Gaslit).
وتعيش جيلبين حالياً حالة من النشاط الفني المكثف، إذ تطل في مسلسل “ديث باي لايتنينغ” (Death By Lightning) و”هال آند هاربر” (Hal & Harper). وتترقب صالات العرض قريباً مشاركتها في فيلم “ألون آت داون” (Alone at Dawn) للمخرج رون هاوارد، وعمل “ذا سوشيال ريكونينغ” (The Social Reckoning)، فضلاً عن انضمامها المرتقب لمسلسل “ويدوز باي” (Widows Bay) والكوميديا الرومانسية “أوفيس رومانس” (Office Romance) المجدول عرضه العام المقبل.




