شهدت أسواق المال والاقتصاد تحركات لافتة في الآونة الأخيرة، تراوحت بين قرارات هيكلية جريئة في منطقة الشرق الأوسط وتقلبات يومية في الأسواق الآسيوية، حيث يظل الدولار الأميركي هو اللاعب الأبرز والمحرك الأساسي لهذه التغيرات. ففي الوقت الذي يسعى فيه لبنان لاتخاذ خطوات تصحيحية طال انتظارها لتوحيد سعر الصرف، تحاول العملة الهندية “الروبية” الحفاظ على توازنها وسط بيئة عالمية تتسم بتباين أسعار الطاقة والسياسات النقدية.
خطوة لبنانية نحو توحيد سعر الصرف
في تطور مفصلي للمشهد المالي اللبناني، أعلن وزير المالية، يوسف خليل، عن قرار الحكومة اعتماد سعر صرف رسمي جديد يبلغ 15 ألف ليرة للدولار الواحد، في خطوة تنهي حقبة سعر الـ 1507 ليرات الذي كان معمولاً به منذ عام 1997. وأكد الوزير، في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز”، أن هذا التعديل، الذي سيدخل حيز التنفيذ بنهاية شهر أكتوبر، يمثل ركيزة أساسية نحو توحيد أسعار الصرف المتعددة التي أرهقت الاقتصاد الوطني.
يأتي هذا القرار في وقت تعاني فيه العملة الوطنية من تدهور حاد، حيث فقدت أكثر من 95 بالمئة من قيمتها السوقية منذ انزلاق البلاد في أزمتها المالية الطاحنة قبل ثلاث سنوات. وعلى الرغم من أهمية هذا القرار الرسمي، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة مع السوق الموازية (السوق السوداء)، حيث يجري تداول الدولار حالياً عند مستويات تلامس 38 ألف ليرة. وتعد هذه الخطوة استجابة لأحد الشروط الرئيسية التي وضعها صندوق النقد الدولي لتمهيد الطريق أمام حزمة المساعدات الملحة، في ظل انتقادات وجهها الصندوق مؤخراً لبطء وتيرة الإصلاحات الاقتصادية في بيروت.
تعافي حذر للروبية الهندية
على الجانب الآخر من المشهد الاقتصادي العالمي، وتحديداً في الأسواق الآسيوية، سجلت الروبية الهندية صباح الجمعة تعافياً طفيفاً، حيث ارتفعت بمقدار 9 بيسات لتستقر عند مستوى 91.90 مقابل الدولار الأميركي. وجاء هذا الانتعاش مدعوماً بشكل رئيسي بتراجع أسعار النفط العالمية، إلا أن مكاسب العملة الهندية ظلت محدودة نتيجة لقوة الدولار واستمرار خروج الاستثمارات الأجنبية من أسواق الأسهم الهندية.
وكانت التعاملات المبكرة قد شهدت تذبذباً ملحوظاً، إذ افتتحت العملة عند 91.89 ولامست لفترة وجيزة مستوى 91.87 قبل أن تستقر، مسجلة تحسناً مقارنة بإغلاق يوم الخميس الذي بلغ 91.99. ويأتي هذا التحسن النسبي بعد أيام قليلة من وصول الروبية إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق عند حاجز 92 روبية للدولار في 23 يناير، مما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على المتداولين.
عوامل الضغط وتوجهات المستثمرين
تتأثر هذه التحركات بجملة من العوامل الخارجية، أبرزها صعود مؤشر الدولار بنسبة 0.36% ليصل إلى 96.48، مدعوماً بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في أول اجتماع للسياسة النقدية لعام 2026. وبالتوازي مع ذلك، شكل انخفاض أسعار النفط متنفساً للعملات المستوردة للطاقة، حيث تراجع خام برنت بنسبة 1.50% ليصل إلى 69.62 دولاراً للبرميل.
ولم تكن أسواق الأسهم الهندية بمعزل عن هذه الضغوط، فقد تراجع مؤشر “سينسيكس” بأكثر من 520 نقطة، وهبط مؤشر “نيفتي” بمقدار 157.65 نقطة، بالتزامن مع قيام المستثمرين الأجانب ببيع أسهم بقيمة تجاوزت 393 كرور روبية. وقد أشار المسح الاقتصادي الذي عُرض أمام البرلمان الهندي إلى مفارقة واضحة، منوهاً بأن أداء الروبية “أقل من المتوقع” بالنظر إلى الأساسيات الاقتصادية، داعياً إلى دراسة أسباب تردد المستثمرين في ضخ الأموال رغم السيطرة على التضخم ووجود آفاق نمو إيجابية.


